الرئيسية / تحليل سياسي / الهوية اليمنية: إشكاليات الماضي.. ومخاوف المستقبل.

الهوية اليمنية: إشكاليات الماضي.. ومخاوف المستقبل.

 

د. صادق القاضي

لأمرٍ ما. سيتكشف لاحقاً. كان ملوك سبأ وحمير يطلقون على أنفسهم ألقاباً طويلة، كان أطولها لقب الملك الحميري الشهير “أسعد الكامل” (378 : 430م) “ملك سبأ، وذو ريدان، وحضرموت، ويمنت، وأعرابهم في المرتفعات والتهائم”.

اللقب نفسه يؤكد أنه لم يكن هناك حينها مصطلح جغرافي قصير شامل يؤطر لمكونات هذه اللقب. بل لم تكن هناك هوية جامعة تنتظم هذه المناطق والمقاطعات التي ظلت تعرف بأسماء خاصة. في معزل عن أيّ إطار عام، أو وشائج عرقية أو قومية مشتركة.

إذاً. ما نعرفه اليوم عن “اليمن” كهوية وطنية واحدة، لشعب واحد. في جغرافيا محددة وموحدة. هو ظاهرة تاريخية متأخرة، تشكلت تدريجياً وعلى مراحل، لا يبعد آخرها عن العصر الحديث.

  • في التاريخ القديم.

لم تشهد “الجزيرة العربية” قبل الإسلام حضارةً، أو دولةً، بالمعنى الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي.. الواسع للحضارة والدولة، إلا في هذه المنطقة الجنوبية منها، بغض النظر عن بعض الكيانات والمراكز الحضرية التي كانت بشكلٍ أو بآخر تابعة ومرتبطة بها، أو تابعة ومرتبطة بدول خارج الجزيرة.

لكن “اليمن” بهذا الاسم والهوية السياسية والقومية العميقة والشاملة لم تتبلور في وقت مبكر من تاريخ هذه الجغرافيا التي لقد كانت وظلت تضم مكونات وكيانات قبلية متعددة، بهويات مناطقية وسياسية متمايزة ومتناحرة طوال تاريخها الوثني.

معين وسبأ وحمير وحضرموت وقتبان.. هي نماذج لتلك الاتحادات القبلية المتفاصلة. كانت قبائل وشعوب وحكام هذه الممالك ينظرون إلى أنفسهم، ويتحالفون ويتحاربون فيما بينهم. على أساس هذا التفاصل، وحتى الفاتح السبئي الشهير “كربئيل وتر” والذي يُنظر إليه باعتباره أول من وحّد اليمن، تحدث -حسب المسند الذي سماه الباحثون “كتابة صرواح”، في القرن السابع ق.م – عن شعب سبأ، كشعب مستقل، وعن الممالك الأخرى، أعداء وحلفاء، كدول وشعوب مستقلة مختلفة.

كذلك كان يُنظر إلى هذه المناطق من الخارج، بأسمائها العينية، باعتبارها كيانات مستقلة،  قبل أن تتبلور مصطلحات عامة لها، ولعل أقدم وأشهر الإشارات إلى هذه المنطقة من الجزيرة ككيان واحد، هي ما ورد في الكلاسيكيات الرومانية والإغريقية، من تسميتها بـ “العربية السعيدة”.

من الخارج البعيد، إذاً، وفي التاريخ القديم، بدأ النظر إلى هذه المنطقة ككيان واحد، فيما لم تكن الدول والشعوب في الداخل تعرف، أو ربما تعترف أن لها كيانا واحداً أو كينونة موحدة.

لقد وردت مفردة “الشعب”، “شعبن وشعبم” وجمعها “أشعب” كثيراً في اللغة والتراث اليمني القديم، لكن ليس بمعناها الإجتماعي والسياسي الحديث، كإطار قومي جامع، بل بمعنى القبيلة، “سبأ وأشعبوهمو” = “قبائلهم”، و”شعب حشدم”= قبيلة حاشد.

كذلك لفظ “قوم” “جوم”، فقد ورد في اللغة اليمنية القديمة، بمعنى محدود أيضاً لا يتجاوز معنى طبقة الرعية، ومثله لفظ ” أخمس” بدلالة مناطقية. “أخمس معن” = رعية بلاد معين.

أما مفردة “اليمن” وهي مقام المقال، فلم تكن تعني في لغة النقوش اليمنية القديمة، بدايةً، إلا ما يعنيه جذرها اللغوي في اللغات السامية، ومنها اللغة اليمنية القديمة والعربية من معنى الجنوب.

لاحقاً ظهرت مفردة “يمنت أو يمنات” في ألقاب ملوك حمير منذ القرن الثالث الميلادي، باعتبارها إحدى المناطق المكونة لمملكة حمير، ومن المرجح أنها كانت تقع قريبا من السواحل الجنوبية.

بنفس هذا المعنى والسياق وردت مفردة “يمنت أو يمنات” في لقب الملك الحبشي لليمن “أبرهة الأشرم” في القرن السادس للميلاد. أي قبيل ظهور الإسلام بعقود قليلة، وبما يؤكد أن معنى “اليمن” لم يتجاوز هذا المسمى الجزئي المناطقي المحدود قبل الإسلام.

غير ذلك حضرت الهوية “القحطانية” بزحم كبير في التراث العربي، كهوية عرقية عريقة لأهل اليمن. تجدر الإشارة إلى غياب الأصل التاريخي لهذه الهوية. إذ لا وجود في الوثائق التاريخية لشخصية “قحطان”، كجد أعلى لليمنيين. قبل الإسلام، ولا وجود لهذا الاسم في النقوش اليمنية القديمة إلا اسماً لقرية بدوية في مملكة كندة.

كما لا وجود لـ”عدنان” هو الآخر، في تلك النقوش القديمة التي كانت تطلق على القبائل الشمالية مصطلح “عرب”، وهو مصطلح يثير إشكالية عروبة اليمن القديم. بما يعني أن اليمنيين القدماء الذين يُعتبرون “أصل العرب” لم يكونوا عربا في الأصل.

والأمر كذلك، فاليمنيون القدماء مثلهم مثل شعوب كثيرة في العراق والشام وشمال افريقيا، كانت لهم حينها لغاتهم القديمة التي كانت بطبيعة الحال مختلفة عن عربية القرآن والشعر الجاهلي.

لكن “اليمنيين” أصبحوا عرباً بعد الإسلام، مثلهم مثل شعوب أخرى كثيرة تخلّوا عن لغاتهم القديمة لصالح العربية، وهذا يجعلهم جميعاً من العرب المستعربة لا العاربة. على عكس معطيات علم الأنساب القديم بروابطه بين قبائل وشعوب الجزيرة وفق فرز يعبر عن الولاءات والتقاليد والتكتلات السياسية بعد الإسلام أكثر مما يعبر عن واقع الصلات العرقية القديمة.

  • بعد الإسلام.

لم يرد اسم “اليمن” في “القرآن الكريم” الذي تحدث عن سبأ وقوم تبّع. لكن. في المقابل ورد هذا الاسم في عشرات الأحاديث والأشعار في مرحلة صدر الإسلام، بحيث أصبح جاهزاً تقريباً للتعبير عن تكتل اجتماعي واحد، يتحدر من جغرافيا محددة.

لا شكّ أن للصراعات السياسية داخل الجزيرة العربية بذورا وجذورا أقدم من الإسلام، لكن رقعة هذا الصراع ودوافعه وتداعياته أصبحت أكبر وأكثر غزارة وامتدادا خلال الفتوحات الإسلامية.

بدأ الأمر بتوزيع القوى الإسلامية المقاتلة في المعسكرات حسب قبائلها، ثم بتوزع مساكن ومناطق نفوذ هذه القبائل في البلدان المفتوحة، ثم بدأت مراكز القوى والنفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي تندرج داخل أطر أكبر، على حرارة الاحتكاكات والصراعات بين التكتلات السياسية والاجتماعية الكبيرة على امتداد الامبراطورية الإسلامية.

في مرجل هذا الصراع المحموم والممتد، بدأ الرواة باختراع الشخصيتين “قحطان وعدنان” ونضجت مصطلحات ومفاهيم القحطانيين والقيسيين، واليمنيين والمضريين.. بشكل واضح في القرن الثاني للهجرة.

تتأكد هنا حقيقة أن الهوية اليمنية تشكلت في مراكز الاحتكاك والنفوذ والصراع السياسي في العراق والشام وفارس والمغرب والأندلس.. خارج الجغرافيا اليمنية، قبل أن تتشكل داخلها.

لقد بلور اليمنيون هويتهم اليمنية الجامعة في الخارج، لكنهم في الداخل كانوا يتخلون عنها، ويلوذون بعصبياتهم الفئوية المناطقية الصغيرة التي ظلت هي البارزة داخل اليمن طوال التاريخ الإسلامي.

عشرات الدول التي تشكلت داخل اليمن، طوال هذا التاريخ. كدول بني زياد، بني يعفر، بني نجاح، بني صلاح، بني زريع، بني مهدي، بني رسول، بني طاهر.. وكل الأنظمة الإمامية.. ظلت تُعرّف عن نفسها بنفس طريقة الدول التي قامت في هذه المنطقة قبل الإسلام، وترفع هويات الأسر التي أسستها، لا هوية اليمن.

استمر هذا الحال على ما هو عليه حتى العصر الحديث، وصولاً إلى مطلع القرن العشرين، فبعد قرون من ظهور مفاهيم وتجليات الدولة القومية الحديثة في مختلف أرجاء العالم، وبعد أن ترسخت الهوية القومية اليمنية نظريا في الوعي العربي واليمني منذ بدء الإسلام. أطلقت الأسرة المتوكلية، على دولتها الإمامية، في ما كان يعرف بشمال اليمن. مسمى “المملكة المتوكلية اليمنية”(1918 : 1962م).

كانت سابقة من نوعها، ومع ذلك ظلت التيمة الأسرية “المتوكلية” ناشبة بهوية وممارسات هذه الدولة. فضلاً عن الدافع البراجماتي لرفعها مصطلح اليمن، فقد ناور “الإمام يحيى” بهذا المسمى كورقة سياسية خلال ضم المناطق اليمنية الأخرى إلى دولته، والمطالبة بالمناطق الجنوبية التي كانت تحت الاحتلال البريطاني.

فقط بقيام ثورة 26 سبتمبر  1962م. تمّ تدشين الهوية اليمنية للنظام السياسي وهوية الدولة والجغرافيا، لأول مرة، بشكل رسمي كامل، بإعلان قيام “الجمهورية العربية اليمنية” في شمال اليمن، وتسجيل مطلب “الوحدة اليمنية” ضمن أهداف الثورة الستة.

كان حال المناطق الجنوبية والشرقية، كحال المناطق الشمالية، طوال هذا التاريخ، وشهد النصف الأول من القرن العشرين فقط وجود ما لا يقل عن ثلاث وعشرين سلطنة وإمارة ومشيخة، كإمارة العوذلي، إمارة بيحان، سلطنة الفضلي، سلطنة يافع السفلى، مشيخة القطيبي، مشيخة العلوي، مشيخة العقربي، سلطنة العبدلي.السلطنة الكثيرية، السلطنة القعيطية، سلطنة المهرة ،سلطنات الواحدي.. وغيرها.

حملت كل هذه الإمارات، كما هو واضح، أسماء الأسر المؤسسة لها، أو المناطق التي هي فيها، وقد جرت محاولات توليفها في ظل الوصاية البريطانية تحت مسميات “اتحاد الجنوب العربي” و”محمية الجنوب العربي”، بتكريس الهوية الجنوبية لها على حساب الهوية اليمنية.

لكن الهوية اليمنية خلال المد القومي كانت حاضرة وفاعلة بقوة، في وعي الشعب، ونخبه السياسية، في الجنوب والشرق، وقد تمكنت “الجبهة القومية للتحرير” في النهاية من حل كل تلك الكيانات المتشظية، ودمجها، وتحرير وتوحيد الجنوب، وإعلان قيام “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، في 30 نوفمبر 1967م.

من نافلة القول إن الوحدة اليمنية التي تحققت في 22 مايو 1990م، أدمجت جمهوريتي الشمال والجنوب في “الجمهورية اليمنية”، التي مثلت حصاد ثلاثة ألف عام من السعي والطموح المشروع ببناء الكيان اليمني الموحد، والهوية اليمنية الواحدة، بشكل كامل ونهائي.

لكن قصة “الهوية اليمنية” لم تنتهِ بهذه النقطة، فهناك مخاوف مبررة كثيرة عليها، ويمكن تفسير كثير من الإشكالات والأزمات والحروب الأهلية اليمنية الراهنة بحداثة الوحدة اليمنية، وهشاشة الولاء الوطني، وعدم تغلغل هذه الهوية الجامعة بالقدر الكافي في فكر ووجدان وسلوك وطموحات هذا الشعب الذي يسكن هذه المنطقة من العالم.

..

ملحوظة للبعض:

كل المعلومات، وبعض الاستنتاجات الواردة أعلاه. معروفة مسبقاً، وبعضها أصبح بحكم البديهيات لدى المختصين والباحثين.

 

شاهد أيضاً

هذه ليست عدن

  فتحي بن لزرق في عدن تحدث اكبر مأساة على وجه الأرض لرجال الأعمال والتجار …

في انتظاركم بصنعاء

  *محمود ياسين احتفظوا بهذا وتذكروه جيدا يوما ما وليس بعيدا وليته لا يحدث الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *